الحديقة البيئية في دمشق نكهة الماضي في أوردة الحاضر والربيع والصيف أهم مواسمها

قرب قلعة دمشق وعلى مسافة أمتار قليلة من المسجد الأموي الشهير وقصر العظم وسوق الحميدية ومقام صلاح الدين الأيوبي تتوضع الحديقة البيئة على كتف أحد فروع نهر بردى الشهير شاهدا على الرابطة بين الإنسان وموارده الطبيعية المتجددة.

تشكل الحديقة باقة متنوعة من نباتات البيت الشامي وغوطة دمشق ووادي بردى والجبال المحيطة به المزروعة فيه مثل القرتفل والمنثور والمرجان والزنبق البلدي والياسمين والريحان والشمشير وأشجار الحور والزيتون وبعض الأشجار المثمرة كالكرز والدراق والتوت والصفصاف ومحاصيل الخضار كالفول والبازيلا والبندورة والبقدونس والخبيزة والسلق والقمح.

أنشأت الحديقة البيئية بهدف رفع سوية الوعي وخاصة لدى الأجيال الجديدة بضرورة العناية بالبيئة وحمايتها إضافة إلى ربط التعليم بالبيئة ونشر المعرفة عن التنوع الحيوي المسيطر على دمشق وحوضها .

بدأت فكرة الحديقة البيئية لدى أعضاء الجمعية السورية للبيئة وبالتعاون مع جهات وطنية ودولية عام 2003 ومن ثم تم إنشاؤها عام 2005 حيث تم بناء جدار حجري حول فرعي النهر استمرَّ العمل فيه ثلاث سنوات ومن ثم أنشئت الحديقة العامة.

والزائر لهذه الحديقة الطبيعية التي تعتبر الأولى من نوعها في سورية يشم نفحات من الماضي مختلطة بالحاضر في مكان لا مكان فيه للمواد الاصطناعية وحدها المواد الطبيعية تستخدم في إنشاء مكوناتها المختلفة حيث أن الخشب يستخدم في تصنيع الكشك والعرائش وبرج الطيور كما أن جميع الممرات مرصوفة بالحجر الطبيعي وأخيرا فإن النباتات التي تتحمل مناخ المنطقة هي وحدها التي زرعت في الحديقة.‏‏

في داخل الحديقة يستوقفنا مقهى مصمم بفن العمارة الدمشقية تفوح من أروقته رائحة القهوة مختلطة بشذا الورود وهو جزء أساسي من المشروع من قبل جمعية البيئة ويستخدم لعقد حلقات بحث ومؤتمرات بيئية إضافة إلى التعرف وبشكل مباشر على النباتات الوطنية وتنوعها والنباتات المدخلة إلى سورية والمتأقلمة مع مناخ المنطقة.‏‏

ويشكل فصلا الربيع والصيف بداية موسم جديد لمحبي هذه الأماكن من سكان دمشق والمحافظات والدول العربية والأجنبية والذين يجدون فيها ملاذا للهدوء والراحة والاستمتاع بجمال الحديقة المقسمة إلى جزر متعددة منها الأشجار المثمرة ومنها النباتات العطرية ومنها النباتات الطبية الخ.

وعن جمال الحديقة تقول خلود إنها تقصدها بسبب روعتها وإطلالتها الساحرة على قلعة دمشق وهي تلجأ اليها للكتابة في جو من الهدوء الذي يعكس وعي الناس بأهمية هذه الأماكن وتشدد خلود على أهمية نشر الوعي بين الناس حول أهمية الحدائق ودورها في عودة المساحات الخضراء وخاصة أن دمشق في الماضي كانت كلها عبارة عن حديقة كبيرة.

وتحرص روان طالبة جامعية على زيارة الحديقة مع زملائها باستمرار نظرا لكونها فريدة من نوعها في دمشق واعتبرت عدم السماح بالتدخين بادرة رائعة من القيمين عليها تساهم في توعية الناس وخاصة من فئات الشباب والأطفال من أجل التعرف والاهتمام بشكل أفضل بالبيئة فيما ترى مها وهي امرأة حامل أن المشي في الحديقة بكل ما تحويه من ورود وأشجار راحة للأعصاب وللحواس جميعا ويساعدها على تنفس الهواء النظيف المفيد لها ولطفلها وتدعو الأمهات إلى اصطحاب أطفالهم إلى الحديقة للاستمتاع بمناظرها الخلابة وتعريفهم بأهمية الحفاظ على الحدائق.

وفي السياق ذاته يؤكد حسان وهو أستاذ جامعي أهمية إنشاء مثل هذه الحدائق في المدن لتكون ملاذا لساكنيها من الكتل الاسمنتية التي يعيشون فيها والعودة إلى سحر الماضي وعبق الغوطة.

وأضاف حسان أن هذه الحديقة تشكل مصدرا للسكينة والهدوء للنفس والتأمل بعيدا عن الضجيج إضافة إلى أنها تساعد في نشر الوعي بأهمية البيئة والحفاظ عليها ورفع سوية وعي المواطنين بمسؤوليتهم تجاه حماية البيئة و التراث.

ويعتبر محمد غنام أحد الرواد الدائمين للحديقة أن تجربة هذه الحديقة نموذج يحفز لاستعادة المساحات الخضراء التي رحلت عن المدينة في غفلة من الزمن.

ويتحدث حارس الحديقة عن الصعوبات التي يواجهها في عمله فيقول إن بعض الزوار لا يتجاوبون مع منع التدخين ويتذمرون حين ينبههم لذلك فيما يحاول البعض الآخر قطف الأزهار أو أخذ عينة من النباتات لزرعها في بيوتهم وأن هذا مايجعل العاملين في الحديقة يعيدون العمل بشكل مستمر فيها.

وعن الزوار يقول الحارس إنهم من فئات عمرية مختلفة وأن أغلبيتهم من النساء ومن الناس العاديين أو طلاب الجامعات والفنانين والمثقفين إضافة إلى المتسوقين القادمين من سوق الحميدية الذين ينشدون الراحة بعد عناء التسوق.

وتبلغ مساحة الحديقة نحو ألف متر مربع ومساحة المقهى فيها نحو 170مترا مربعا ولها تراسات وقد قسمت إلى 12 جزيرة وكل جزيرة مخصصة لمجموعة نباتات وفيها بطاقة تعريف للزوار بأسماء النباتات المزروعة ومنها النباتات العطرية والبرية والتزيينية والطبية والصباريات والعصاريات وأشجار الليمون والأشجار المتوسطية وهناك التنوع والطرافة حيث هناك التضاد بين نباتات أليفة الماء ونباتات أليفة الجفاف.‏‏

إن هذه الحديقة بالإضافة إلى كونها ملاذا بيئيا لزوارها ستصبح معرضا نباتيا علميا يغني ثقافة الزوار النباتية الدمشقية حيث صممت الممرات الداخلية للحديقة بحيث تتيح للزائر رؤية النهر من جهة والتنقل في كامل الموقع من جهة أخرى.

كما صمم على الجهة الغربية للموقع جزيرة نباتية خاصة بالأطفال تغني خبرتهم العملية وتشركهم في عملية الزراعة ويحذو هذا المكان كشك خشبي يمكن استخدامه لبيع بعض المنتجات بالإضافة إلى كونه مكانا خاصا بالأولاد ومعداتهم.‏‏

أما الممرات الفرعية فصممت لتقسم المكان إلى جزر صغيرة كل جزيرة مزروعة بأصناف عديدة من فصيلة واحدة سيكون كل صنف مشروحا على بطاقة تعريف خاصة به.‏‏

وبالنسبة لمركز الحديقة فهو يشكل مكان الجلوس الرئيسي تم توزيع مقاعد خشبية فيه ليتيح للزائر رؤية النهر ومجمل الحديقة التي لها هدف طموح يجمع بين الوظائف البيئية والتربوية والترفيهية ويشكل متنفسا للجوار ومعلما حضاريا للزائرين.‏‏

مي عثمان
المصدر: سانا