آفاق.. مـهـاجـرون

كأن البحر وحده هو العدو الأشدُّ لعنة على المهاجرين غير الشرعيين! لم نسمع بطائرة تحمل مهاجرين غير شرعيين، تسقط فوق مدينة أو بحر أو صحراء! لم نسمع أن قطاراً يقلُّ مهاجرين غير شرعيين اصطدم بجبل فنثر الضحايا في السفوح والوديان! البحر وحده هو فمُ الهلاك الذي يجتذب إلى أعماقه الهاربين من أوطانهم وغير المرغوب بهم في بلاد الشمال، والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان توظف المشهد الأخير من المأساة وتسنده دائماً إلى العنف أو الفقر في بلد المنشأ!

مركب صغير لا يصلح لرحلة مغامر واحد، يمتلئ بالرجال والنساء والأطفال ويمضي في عُرض بحرٍ، ربما لم يشاهده بعض الضحايا إلا في الأفلام وبطاقات المعايدة التي زالت من الوجود، يكتظ بحكايات لها خفايا، تكشف ببساطة لا تحتاج إلى أبحاث وتحليلات ورؤوس مثقلة بالنظريات، عن شركات كبرى تتاجر بالبشر على ضفتين: تأتي بالقتلة الأشداء بجوازات سفر عابرة للقارات على متن طائراتٍ نفاثة وتودعهم في الحدود المقدسة والمحروسة، المحضَّرة كمزرعةِ تكاثر الجراثيم في الواقع، التي ستأخذهم إلى جنة إلهية موعودة، وعلى الضفة الأخرى حيث بشر لم يعرفوا العنف في حياتهم، يُزيَّن لهم النزوح على أنه العبور إلى جنة أرضية، يزول فيها الشعور بالوطن والمواطنة، ويغدو المنزل الأوروبي الموعود هو الوطن البديل، حتى لو كان جُحْراً عفناً، يعتمد نزلاؤه على الإعانات التي لاتكفي أبسط مستلزمات الحياة! ومقابل أولئك الذين يأتون بلحاهم وسكاكينهم ومحفوظاتهم الدموية، عبر المطارات التي توهمنا دولها أنها محروسة ببصمة عيون مسافريها، ليبكوا على حدود بلاد الشام، لأنهم وصلوا إلى أرض قيامتهم، قبل أن يدخلوها للذبح والتقطيع ورفع الرايات السود على أنقاض المدنية، تزحف جموع باتجاه الدول نفسها التي صدرت قطعان ذوي اللحى وهي غافلة عن أنها ذاهبة إلى هلاكها إما بالموت وإما بالمذلة...

حكاية متعرجة، لرجل (هو عشرات الرجال)، تشرد في لبنان فمصر فتركيا وأرهق أباه المقيم في سورية بالتحويلات، ثم باتت عيناه على أوروبا المحرمة على أشكاله، ليضع نفسه في شبكة دفع آلاف الدولارات وتزوير جوازات السفر والتنقل بين الرباط واسطنبول والاتحاد الأوروبي والزمن يمضي والعطالة تستمر وابتزاز الأب قد أفضى به إلى مرض أعصاب، وجارته تستحثه على الاستمرار في صعود الجلجلة، كأنها تعوض عن رغبتها في استقرار زوجها التائه منذ عامين مديدين بين مراكز إيواء أوروبا، يلاحق جزرة التجنيس بلا جدوى، وأولاده في البلد بلا معيل، هو الذي أصرَّ ألاّ يذهبوا إلى المدارس لأنه سيلمُّ شملهم بعد شهر، وتمرُّ الشهور لتُكنَز الثروات في جيوب تجار البشر، وتزداد الفاقة المادية والروحية عند الجموع التي فقالدت البصر والبصيرة وباتت كالبعوض تتزاحم على مكان فوق المستنقعات وهي تتوهم أنها في مواطن الضوء، فذاك الشويعر الذي باع وطنه بزعم الانشقاق عن نظام الاستبداد، رأيته على النت، يصف بمتعة ذهابه المنتظم إلى المصح النفسي، باعتبار أنه صار أوروبياً متحضِّراً وهو في الواقع متسول لفظته الكرامة والرجولة قبل أن يعبر حدود الوطن!

أيها المهاجرون المُصْطَفُّون في طوابير أحلام الوطن البديل، عدوكم ليس البحر الشّرهة أسماكُهُ للحومكم، ولا تجار البشر والحروب، بل هو أنفسكم التي وعدت بسقف مخروق فاشترته بالكرامة والغربة والتيه وبيع الوطن بما فيه من رغيف خبز وأمان....
 
المصدر: صحيفة تشرين