ياسين رفاعية.. نصٌّ لا يكف عن الحلم

من القلائل الذين تجاوزوا الحد الفاصل بين الواقع المعيش بكامل صدماته وقساوته وأثمانه الباهظة من جهة، والأدب كعملية خلق موازٍ لكنها أوسع رحابة وأكثر شفافية ورأفة بالإنسان.

 في هذا الفضاء يمكن القول إنه من القلائل الذين يكتبون مثلما يعيشون ولا يمكنهم الحياة أبداً بعيداً عن الكتابة، هكذا نكتشف الكاتب ياسين رفاعية من مؤلفاته الأولى في القصة والشعر والرواية وقصص الأطفال، تلك الحصيلة المتكاملة من المؤلفات التي تحمل معاناة رفاعية وأحلامه مثلما تحمل نظرته إلى الإنسان والوطن والانحياز الدائم لحالة مثلى من الحلم الذي نحته بعناية كأسلوب عيشه ودأبه وتفانيه منذ أن بدأ صحفياً وانتهى أديباً وكاتب مقالات معروفاً يحفظه القارىء السوري والعربي عن ظهر قلب.

كأن رفاعية حرص دائماً على مواجهة العالم بتلك المدينة الفاضلة التي أسسها مع صدور كتبه الأولى مطلع الستينيات وصولاً إلى مقالاته الصحفية التي حرص على الإطلالة عبرها بشكل دوري في الصحافة السورية.
فهو بقدر ما اشتغل على الشعر والقصة والنص الروائي، فإنه أعطى اهتمامه إلى المقال الأدبي الذي لم يكن ليقل شأناً عن مؤلفاته تلك.
هذه القدرية العجيبة مع الكتابة أوصلته بشكل ما إلى ما يشبه التماهي مع النصوص عندما عمل دائماً على ردم الهوة بين الواقع والخيال محاولاً تقريب الطرفين إلى بعضهما بعضاً ما أمكن.
تختصر عناوين ياسين رفاعية الأولى الكثير من رؤيته للحياة وتبين انفعالاته الحادة بدءاً من «الحزن في كل مكان» وهي مجموعة قصصية صادرة في دمشق عام 1960، مروراً بكتابه الشعري «بوح - رسائل حب بوح» الصادر عام 1961، وصولاً إلى روايته الشهيرة «مصرع ألماس» و«أنت الحبيبة وأنا العاشق» إلى رواية «سوريو جسر الكولا» وغيرها كثير من الكتب التي حملت تجربة رفاعية وخبرته والشخصيات التي ظلت ترافقه في نصوصه، وربما يكون في حضور زوجته الشاعرة أمل الجراح في تلك النصوص هو المثال الأبلغ على حرص رفاعية على إنجاز حربه مع قساوة الواقع على أمل خلق خيار أقل أسى في الكتابة.
يحضر موضوع الفقد بقوة في تجربة رفاعية بسبب معاناته في فقد الأعزاء، وهنا شكلت الكتابة خياراً دائماً لحالة الحلم لديه في استرجاع الشخصيات المقربة وإعادتها للحياة. في تلك الكتابات تحضر شفافية رفاعية وصدقه وانفعالاته الحادة التي بقيت تلازمه في جميع كتاباته وإصراره الدائم على تبني قضية الدفاع عن الحلم حتى في أشد اللحظات حلكة لديه.
ولد رفاعية في دمشق عام 1934 وتلقى تعليمه فيها، عمل خبازاً وعاملاً في مصنع للنسيج ثم بدأ مشواره مع الكتابة فعمل صحفياً ومحرراً أدبياً، ليصبح عام 1961 سكرتير تحرير في مجلة المعرفة، وفي مجلة الأحد اللبنانية رئيساً للقسم الثقافي عدا عن كتابته في العديد من الصحف العربية والمحلية«الثورة وتشرين»، كما أصبح عضواً في جمعية القصة والرواية.
كتب رفاعية الكثير من المؤلفات في الشعر والقصة والرواية وقصص الأطفال، مثل: «العالم يغرق»، «لغة الحب»، «الممر –رواية»، «رفاق سبقوا –ذكريات»، «امرأة غامضة –رواية»، «أُحبك وبالعكس أُحبك- شعر»، «دماء بالألوان –رواية»، «رأس بيروت-رواية».. وغيرها الكثير من العناوين التي تظهر دأب الكاتب وجهده ورهانه الدائم على جدوى الثقافة والكلمة.

المصدر: صحيفة تشرين